على خلفية سوداء تَنَادَيْن فاجتمعن و صِرن يتراقصن بزيِّهن الأحمر المتقد، كُن يُشكلْن أرقامًا، أو هكذا هُيأ لي. ربما رقم (أربعة) أو (سبعة)، ربما (ثمانية) .. على الأرجح (سـ ......
و بينما أنا مستغرق في مشاهداتي إذ بسؤال يأتي من الأعماق:
ترى من ذا الذي أيقظ التنين ؟
أنا التنين إن لم تستنج هذا بعد.
تطايرت العلل في رأسي محاولًا تفسير الحادث إلى أن قطعني صوت نسائي مألوف ينادي من مكان سحيق:
ترى من ذا الذي أيقظ التنين ؟
أنا التنين إن لم تستنج هذا بعد.
تطايرت العلل في رأسي محاولًا تفسير الحادث إلى أن قطعني صوت نسائي مألوف ينادي من مكان سحيق:
"على طبيب الطوارئ المناوب التوجه فورًا إلى الاستقبال"
فور أن استيقـتُـنها انفجرَتْ مَآوي الـ "أدرينالين" في دمي فأصبحتُ مهروِلًا، مبعثَرًا، متعثِرًا، متشبِثًا بأدواتي، لا أدري أشر أُريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدًا!. كنتُ في بضع لحظات قد دلفتُ خارجًا إلى غرفة الاستقبال.
أنا طبيب الطوارئ إن لم تلحظ هذا أيضًا.!
عصبة من الشباب أحاطوا شيخًا شح الدم في عروقة فشحب وجهه، و تشنجت أطرافه، و أشاح الأجلُ عن شبحِ الموتِ محلقًا. أنا أعرف هذا جيدًا .. أرى هذا المشهد ما يزيد عن المائة مرة في الساعة ..!!
الغريب في أمر الشيخ .. ذاك الرضا أحال شفتيه ابتسامة عريضة ..!
تقدمتُ في رصانة، سألتُ عما حدث و ما فتئتُ أطبق قواعد الفحص السريري المعتادة عليه مستنبطًا ما قطعه من شوطٍ في النفق.!
بعد تطبيق الفحص و السؤال عن التاريخ المرضي، همس الشبح في أذني:
- إنه لي .. فلا تبتئس.
أنظر إليه مشفقًا، ثم أحول ناظريّ إلى أهله مشيرًا لأبنائه بلغة العيون باللحاق بي..
- خيرًا يا دكتور ؟
- للأسف .. يحتضر .!
أجهشت صدورهم بالنحيب، و دمعت عينا الطبيب -فيما ندر. و حينما استعاد أحدهم رباطة جأشه سأله:
- كم بقى له ؟
- ربما يومان .. ربما أقل .. لا أكثر من ذلك .. هذا قدرٌ معلوم
"على طبيب الطوارئ المناوب التوجه فورًا إلى الاستقبال"
يا له من يوم عصيب..!، ثم هذا السؤال الفلسفي العميق؛ أنا بالفعل في الاستقبال، فعلام النداء يا امرأة ؟!. هكذا حدثتني نفسي بالسوء.
عصبةٌ من الشباب أحاطوا امرأةً فتيةً تَضَخَم خصرُها فبلغ منتهاه. و بالفطنة استنتجت أنها تضع، و ألا طبيبَ في المستشفى سواي لأباشر عملية الولادة.
- من زوجها ؟
- أنا يا دكتور
شاب في أواخر العشرينات يبدو سعيدًا، وقَّره شاربه و عويناته. أجاب سؤالي متحفزًا فطمأنتُ قلبَه أن الله لطيف لما يشاء، ثم طلبتُ إليه البقاء جار زوجه بينما صَرفتُ الآخرين.
الميلاد ... حدث رهيب، مهيب، يضفي عليه النور لمسة فنية، و يشبعه الخروج من الظلمة بالحياة ...
ثم ها هو رأس آدمي قد قدر له الله أن يطل علينا.
- ما اسمه ؟
- رمضان ..!
- سأبذل قصارى جهدي لينال ما بقيَ له من نصيب في الحياة مرتاحًا.
- أشكرك نيابة عن إخوتي، اعذرهم فهم لا يحتملون.!
- لا مشكلة، صبّركم الله على فراقه.
و شرعتُ أعلق محاليلًا، و أضخ في دم العجوز أدويةً، و آمر التمريض بالسهر على راحته. حتى اطمأن قلبي لحاله، فلبثتُ غير بعيد.
- كيف الحال يا دكتور؟
- هذا رائع .. إنه يبتسم لي
ابتسم الزوج، ربَّتَ على يد زوجته:
- هانت يا أم .... أي اسم تحبيه؟
- آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه
قاطعتُه قائلًا:
- احم احم، أظنه ليس بوقتٍ مناسب لاختيار الاسم
و في لحظات .. المؤشرات الحيوية تسوء، أحقنُ المزيد من الأدوية، أعلقُ مزيدًا من المحاليل، و لا زيادة إلا في السوء ..!
عاد الشبح يهمس:
- إنه لي .. فلا تبتئس .. لقد بذلتَ جهدك .. و أرحته في نصيبٍ مفروض .. الآن أتت ساعته .. و انتهى القدر المعلوم.
لم ألق بالًا، و صرت أهرول، و أُعلق، و أَحقن، و أُعيد، و أُزيد .. أما الشبح فقد استقر عند رأسه، و بدا هادئًا -كالمعتاد- حتى أشار رسامُ القلبِ إلى نقطة الأصل..!
هذا مثير للغاية، أنا متحمس، مترقب، متأهب ..
في لحظات انزلق الطفل بين يديّ، و ما إن لمسهما جلدُه حتى شقّت الحياةُ حنجرته صارخةً.!
صدقني أنا لستُ رقيق القلب، و لكنْ وحدهما دمعتا عيناي؛ ربما لهما إرادة منفصلة عني.!
غطيتُ وجه الشيخ ..
لففتُ جسد الطفل ..
خرجتُ إلى أهله:
- اصبروا على بلاء الله، و كونوا قومًا مؤمنين.
فخروا إلى الأذقان بُكيًا، و دعوا الله أن تقبل منّا طاعتنا لك في أبينا.
وضعتُه على صدر أمه:
- ها، ماذا ستسمونه ؟
حارا، فكرا، ثم نظرا إلى بعضيهما و قال الزوج:
- لقد أعلمنا طبيبُ التوليد أن المولودَ لنا أنثى، و كنا قد استقررنا على "فرحة".!
- امممم .. فرحة، و ما في أسماء الأولاد يناسب الفرحة ؟
- اقترح يا دكتور
- اممم .. يقول تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَ بِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ.
- لا أظن "فضل" يشير إلى الفرحة.
- صحيح، و لكني سمعتُ من أمثلة الفضل .. العيد .. فهو فضل الله بعد مشقة الصيام .. و "عيد" اسم لصبي يشير إلى الفرحة.
نظر إليها في حنو:
- ما رأيك ؟
- فليكن..!
- فليكن يا أم عيد
"على طبيب الطوارئ المناوب التوجه فورًا إلى الاستقبال"
شعرة دقيقة بين الواقع و الخيال، النوم و اليقظة، الحلم و الحقيقة .. يبدو أني اعتدتُ أن أُدخِلَ تفاصيلَ واقعي إلى منامي فتستحيل حلمًا.!
"على طبيب الطوارئ المناوب التوجه فورًا إلى الاستقبال"
شعرة دقيقة بين الواقع و الخيال، النوم و اليقظة، الحلم و الحقيقة .. يبدو أني اعتدتُ أن أُدخِلَ تفاصيلَ واقعي إلى منامي فتستحيل حلمًا.!
"على طبيب الطوارئ المناوب التوجه فورًا إلى الاستقبال"
على خلفية سوداء تَنَادَيْن فاجتمعن و صِرن يتراقصن بزيِّهن
الأحمر المتقد، كُن يُشكلْن أرقامًا، أو هكذا هُيأ لي. ربما رقم (أربعة)
أو (سبعة)، ربما (ثمانية) ... لا لا .. كفى هذيانًا.!
الآن عدتُ إلى الواقع ..!
إنها "الرابعة و النصف" صباحًا .. و يبدو أن أحدهم في حالة مزرية يتلهف للعون.
-تمت-
