الثلاثاء، 5 فبراير 2013

حلّت الآزفة.!!



...
هذه القصة مقتبسة عن أحداث واقعية
...

يقولون .. الليلة الكوبيا بتبان من العصر .! ... أنت تعلم هذا جيدًا، كما أعلم أنا .. ويعلم هو..!
فلنعد إذن إلى ساعة العصر، ربما بعد صلاة العصر بحوالي الساعة ... 

هدوء....!

هدوء .. ذلك الهدوء الثقيل، قاتم اللون، عطن الرائحة، المنذر حتمًا بمصيبة ما، ولكن من فضلك لا تدع هذا الجو المقيت يؤثر على نفسيتك العزيزة.

هدوء .. مزيد من الهدوء .. ذلك الهدوء الذي يصفه د. (يوسف إدريس) بالسرمدي .. لا تشعر بالملل، بالحر، بالبرد، لا تشعر بشيء على الإطلاق.

هدوء .. يخالجك شعور قوي أنه سينتهي، سيؤول حتمًا إلى شيء ما........!

تتسابق العقارب في صراع محموم ليشيرا إلى تمام الثامنة مساءً ... تبدأ الآن طقوس العمل .. رتيبة، رقيقة، تحترق الساعات تلوها الساعات، تطل ذات الوجوه البائسة؛ الباحثة عن علاج لا يضني جيوبها فيما يعمل على شفاء أسقامها.!
لا شيء ..... لا شيء على الإطلاق......!

أنهى وحش النهار التهام ما يقرب من نصف وجبته –الليل- تاركًا النصف الآخر للمعذبين، البكائيين، المتضرعين، المذنبين ..... وآخرين.

ثم ........

بووووووووووووووم ... طاااااااااااااااااااااخ...!

ذات الصوت المألوف لانفجار "البومب" الرمضاني، الذي لا يهدف إلا استرواع الآمنين .!
أنت تعرف هذا النداء الخفي الذي يخبرك أن ما تراه ليس كما يبدو، هناك معنى أكثر عمقًا.!، هذا النداء الدفين من الأعماق يخبرك: هذا لا يمت لدوي "البومب" بصلة .. هذا أكثر تأثيرًا، أوقع، أثقل من المعتاد، تصحبه رائحة مألوفة لا أذكر أين شممتها قبلًا، ربما لم أفعل على الإطلاق.!

-إيه .. إيه .. في إيه؟؟؟!

تتعالى الصيحات المذعورة، تنطلق الصرخات الملهوفة، وما هي إلا لحظات حتى نُقل المشهد مجسمًا بشحمه ولحمه إلى مجال بصرنا.. أتذكر؟ أما زلت تذكر؟ أم تأثرت ذاكرتك بما حدث؟!

لم نر هذه الآداة إلا في الأفلام تقريبًا، هي أقرب ما يكون إلى "مسدسات الخرز" التي كنا نلهو بها صغارًا، لكنه حتمًا أثقل؛ صاحبه يحمله بيد ثابتة، لكنها مترددة كما تشي نظرات عينيه، إنه أجبن من أن يقتل بدم بارد.

طويل، نحيف الجسم، غزير الشعر أسوده، ربما لو كان فيلمًا أمريكيًا سبعينيًا لأضفنا الشارب الكث الذي يوحي بحرفيته في عالم الجريمة، وتلك القبعة المكسيكية التي تصوره لا يخشى حتى الله.!

يرقد أمامه جاثيًا على نصف ركبة آخر بدين الجسم بطيء الحركة، غابر الوجه، انفرط عقد جأشه فراح صارخًا:

-لأ يا أحمد .. لأ ..!!

الآخر لا يتكلم على الإطلاق، لا يتحرك، لا يتخذ أي خطوة فعلية للقضاء على الخصم. الهدف واضح تمامًا، ومجال التصويب بضعة أمتار ليس إلا، ربما الصدر هو مكانه المفضل؛ حيث يصوب، لكن الرأس أسرع لاحتوائه المخ بمراكزه الحساسة كما تعلم أنت .. ويعلم هو .. وأعلم أنا.!
إنه مشهد بديع حقًا؛ لا تُسئ فهمي أرجوك، أنا أقصد انطلاق الرصاص لا جثو الرجل في هذا الوضع المخزي المجرد من كل حول وقوة.

تقول الحكمة؛ ترى الضوء أولًا، ثم تسمع الصوت..!

وفي مسرحنا هذا خفتت كل الأصوات ما خلا همهمة متلهفة، أو وجيب قلوب مترقب، بينما ثبتت دائرة الضوء على البطلين اللذين تحولا إلى جزء من لوحة "موحد القطرين" الفرعونية الشهيرة، والكل سكون....!

العجيب، أنك لا تعرف تحديدًا متى بدأ، دائمًا البداية مشوهة، متى تحولت الساحة إلى هذا الكم من الصخب؟ ولماذا في هذه اللحظة دون غيرها؟ أنا لا أذكر .. هل تذكر أنت؟!

مع اطراد الصراخ الذكوري، والعويل النسوي، هاج بعضهم فانقضوا على الجاني محولين فوهة الطبنجة بعيدًا عن المجني عليه.

أتذكر؟ .. تلك الشرارة الدافقة، التي تتضخم بسرعة برقية، تلتحم وزميلاتها مكونة وحشًا أحمرًا يلقف بألسنته الملتهبة كل ما يعترض طريقه ...! 

للنار سحر .. ألا تتفق معي ؟!

ربما أصاب العطب أذناي جراء الصراخ فلم أسمع صوتًا يعقب الضوء، هذا أذكره بدقة .. أسمعت أنت؟

لا أعرف سر تلك النظرة الذاهلة المرعوبة على كافة الوجوه، لا أدري ما غير وجه الجاني إلى الامتقاع، لا أعرف سبب تحول العرق البارد على جبيني دافئًا، لا أدري ما خلف تلك الأضواء البراقة التي تفيض من السماء كالموج الهادر ولكن بلا صوت على الإطلاق.!
بالتأكيد أصاب أذنيّ خطب ما .. ألا ترى ذلك معي؟!

ثم لِـمَ تنظر إليّ بتلك الطريقة ..؟!