الأحد، 21 أبريل 2013

السائق .. والسائق!!



....

كلنا يعرف تلكم الهيئة؛ البنطال القماشي المتسخ القصير، القميص الصيفي الأبيض المتلطخ، يكسوان جسدًا نحيلًا -لكنّه ممشوق- تشبع جلده بسمرة الشمس الذهبية، ثم تلك الطاقية التي يظن صاحبها أنها تميمة الحظ، والتي تذكرك كثيرًا بأبطالك الكارتونيين المفضلين..!

1

هناك ... يمشي وئيدًا، دافعًا عربة (الآيس كريم) في تلذذ وتسارع، تلك البسمة الراضية، تنم عن مجهود مضنٍ قد بُذل، أما عن النظرة المتلهفة فتشي بجوع يكابده الأبناء، هو فعلًا يحتاج .......... للمال.!

2

يرقب الأطفال .. واحدًا فواحدًا فآخر .. كلهم استقر في مقعده، كلهم يطالبه بالانطلاق، يحيل بصره إلى المُشرف (أبو بدلة ونضارة) فينظر له الأخير؛ أي انطلق.

- طيارة يا عمووووو

يبتسم، يضغط على الدواسات، يزيد من السرعة -في الحدود الآمنة، بينما يُخرج الأطفال رؤوسهم من النوافذ يستمتعون بالهواء.

3

ما زال الطريق طويلًا .. عشرون كيلومترًا إلى المدينة، يقطعها سيرًا على الأقدام، متحسسًا طريقه بين السيارات المهرولة على الطريق السريع.
ألم القدم عاوده .. يبدو أنه لن ينتهي أبدًا، يبدأ خافتًا، ويستمر طويلًا، يتصاعد تدريجيًا إلى أن يجرع دوائه في المساء...!

ربما هدأ قليلًا لو ارتاح ..!

- أأنت مجنون؟ ها هنا؟ على قارعة الطريق؟ وما زال على المدينة ما زاد عن الخمسة عشر كيلومترًا؟ ماذا لو زاد الألم بدلًا من أن ينقص؟ 
من أين له بالدواء الآن؟ هل يعد إلى البيت الأقرب؟ هل ينتهي يومه هكذا بين جيئة وذهاب؟ أم يقف في مكانه منتظرًا أن يلفت انتباه أحدهم؟ هل حقًا سليحظه أحد ما؟

بينما يسبح في خواطر تفيض بها عيناه المتلفتتان، إذ به يتوقف .. يشغل المذياع .. ويترك الصوت الشجي يؤنس بؤسه.

4

يتأمل الطريق الأسود يلمع بفضية الماء تحت أشعة الشمس، فيما يلثم وجهَه هواءٌ لطيف قادم من عالم آخر خارج قمرة القيادة.

المشرف صامت طوال الوقت يراقب، الأولاد يتمازحون، صوت المحرك الهادر يسليه، وحر الصيف يستنفذ مخزونه من الماء المُرطِب -العرق.

- عايز جيلاتي يا مستر.

صوت طفولي عذب، قد اقترب من المشرف شادًا كُمَّ قميصه ليسترعي الانتباه.

- لما نوصل يا حبيبي.
- لا .. الوقتي.!
- الوقتي هـ أجيبلك منين؟ .. روح اقعد مكانك.
- من الراجل دا.

5

أما وقد سمع الصوتَ قارئًا بكلام الله إلا وهدأت نفسه، وخفت ألمه حتى احتمل المسير..
والآن .. عليه متابعة الطريق .........

بييييييييييب بييييييييييييييب

لا يلتفت .. لا داعي للالتفات ..

بييييييييييب بيييييييييييييب

امممم .. يبدو أن هناك شيء ما .. مصيبة ما على وشك الحدوث ..

بييييييييييب بيييييييييييب

عليه الآن أن يتوقف ليرى ما يحدث..
يقترب منه الأوتوبيس .. حتى كاد يقذفه وعربته .. يتسمر الرجل في وجل .. لا يفهم ماذا يحدث!!.

يطل الأولاد من النوافذ كما المستكشفون لشيء عجاب، بينما يترجل زميلهم صاحب الطلب:

- واحدة جيلاتي لو سمحت.

يُحصِّل الغنيمة، ويبدأ في الالتهام وهو مستمتع في تلذذ، فيتبعه زملاؤه:

- وأنا واحد
- وأنا يا عمو 
..................

6

يتحسس جيبه:

- لا .. ليس في هذا الجيب، ربما الآخر

يغمغم:

- آه .. تذكرت .. آخر جنيه كان من نصيب الطعمجي.. هنيئًا للعيال!، لا داعي للـ (آيس كريم) الآن.

يقوم بتشغيل المذياع .. ويرتل الصوت الشجي يؤنس بؤسه.

7

يرقب الأطفال .. واحدًا فواحد فآخر .. كلهم استقر في مقعده، كلهم يطالبه بالانطلاق، يحيل بصره إلى المُشرف -وكان قد خلع البدلة- فينظر له الأخير؛ أي انطلق.

نسمات الهواء، لسعة الشمس، صوت الأولاد، صمت المشرف، مجهود إعداد (الآيس كريم)، رائحة العرق الصيفي، التلهف، دواسات السيارة، جفاف الحلق، آلام القدم، صوت الشيخ عبد الباسط يدخل إلى قمرة القيادة من عربة الآيس كريم:

- وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدونَ

فيَرِدُ ذات الصوت من القمرة إلى العربة:

- فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ

..... صوت المشرف:

- عم محمد .. الجيلاتية دي بتاعتك.!

-تمت-

...

الثلاثاء، 9 أبريل 2013

ومن العلم ما .. قتل، يقتل، قاتلٌ، وبهلول !


Insanity; by, Freakdearts
...

هناك .. في النقطة التي لا يمكنك أن تلحظ فيها كيانًا بشريًا قابعًا .. يقطن .!

تدل هيئته  على تسعين ربيعًا -بالأحرى خريفًا- من البؤس، فيما يشي لباسه بسر بؤسه؛ الفقر المدقع .. نحيل، غزيرُ الشعر أشعثه، كث اللحية ، حتى لا تكاد تميز ملامحه من الشعر الملبد، لكنك بالتأكيد تستطيع تمييز قدر القذارة الذي يستوطن تلكم الملامح..!!

هاتان العينان .. إنهما كل شيء .. السر .. الحب .. الحرب .. الشهوة .. التقوى .. الخوف .. واللاخوف .. إنه الحد الذي لا حد بعده !
لا تستقران أبدًا في محجريهما، تتابعان كل حركة بشكل تلقائي عصبي، لا ينبس ببنت شفه، فقط يومأ برأسه للجهات الأربعة بلا هدف -أو هكذا أظن .. ألك ظن مختلف ؟

****

لا يتجاوز العشرين من العمر، يتحرك بخفة بين الطاولات المرصوصة في عناية، بينما يحاول الزبائن عبثًا تشويه تلك النظامية المفرطة .. جيئة وذهابًا .. جيئة وذهابًا .. جئية وذهابًا .. جيئة وذهابًا .. ربما تمل أنت من سماعها، ولكنه لا يمل من حركته .. أبدًا.!!

في الخلفية يترنم (عبد الوهاب):

"جفنه .. علّم الغزل"

****

شابة أنيقة -بمقاييس أولاد الحارة- تجر طفلًا مشاغبًا بيد، بينما الأخرى مشغولة بمهاتفة أحدهم، تتحرك منحنياتها في تناسق شهي، بينما لا يكف الطفل عن الصراخ، لا تتمالك أعصابها فتصرخ في الطفل، يبكي، تعاود الكلام .. وكأنها أبدًا لن تنتهي..!

****

شيخ بدين، بقالة عتيقة الطراز، رائحة الأعشاب والمواد الغذائية تختلط في مزيج عجيب، استرخى لمقعده الخشبي المسكين فأنّت أرجله، بعينين زائغتين يرقب المارة ويتلفت، يخرج حزمة من تحت المكتب ويشرع في معالجتها.!

في الخلفية يتسربل صوت (الشيخ/ عبد الباسط عبد الصمد) بسورة يوسف:

"قال أنتم شرٌ مكانًا والله أعلم بما تصفون"

****

في هذا الوقت من اليوم تمر عقارب الساعة بلا أي حركة تصحبها، فيما خلا الحركة الاعتيادية التي أعدها سكونًا لرتابتها.

ينكشف النقاب عن مجموعة من البذور العشبية لها تلك الرائحة المألوفة، تنطوي جارها مئات من الجنيهات.........

إنها ترتب موعدًا ما مع شخصٍ ما في مكانٍ ما بعيدًا عن الرقابة، ورقابة شخصٍ ما آخر تحديدًا........

الشاي يُخلط بنشارة الخشب، بينما البن يُخلط بقشر الفول السوداني المحروق .. النسب مهمة وإلا فسد كل شيء .. وهو أبدًا لا يخطيء .........

****

في حركة غير مألوفة .. بطئية لكنها ساحبة للأنفاس يتحرك الكهل الأشعث الأغبر مترنحًا إلى وسط الميدان حيث يراه الجميع بلا اكتراث .. تتعاقب الحركات الغير مفهومة الغير هادفة .. تتحول إلى رقصة ما؛ رقصة على الطراز الإفريقي تتخللها كلمات صوفية تنساب مع الحركة في تلقائية عجيبة..!

بعضهم .. أدار رأسه إلى الكهل، وآخر أدار رأسه عن الكهل!

يتوقف بشكل مفاجئ ثم يصرخ بصوت يملأ الميدان برغم ضعف قائله، وارتعاش أحباله الصوتية، فيتوقف الجميع منصتون باهتمام:

دا غضب .. والله غضب .. ربنا زعلان منكم .. أنتم بتعملوا إيه .. بتعملوا إيه !!!!!!!!!!!

يتوقف .. وما زال الجمع متوقف .. في لحظة ساكنة .. لا حركة .. لا همس .. يرفع أكف الضراعة إلى السماء ويدعو بشيء ما .. ثم يعود إلى الحالة الراقصة بشكل هستيري .......!

تيييييييييييييييييييييييييييييييت ..

سيارة تظهر من اللاشيء، تتحرك في شكل دوائر لإبداء براعة السائق وتحكمه .. كل شيء تحت السيطرة .. أنا أتحكم .. أنا أقود .. أنا .... أنا ... المزيد من الأنا والمزيد من السيطرة .. 
.
.
.

طرااااااااااااااااااااخ ...


يتوقف الزمن .. تسقط القلوب إلى الأرض .. كل شيء يخرج عن السيطرة .. أصلًا لم تكن هناك سيطرة ..!، الصمت تتعالى وطأته حتى كاد يهشم الرؤوس، تعجز الصدور عن استيعاب الهواء .. ويهوي الكهل صريعًا ملطخًا بنقاء سريرته...

يقطع الصمت صوت (عبد الوهاب):

ومن العلم ما قتل ..!

بعض من دمع يُذرف، بعض من أنفاس تُلتقط ... ثم يأتي صوت (الشيخ/ عبد الباسط عبد الصمد) يتردد في الآفاق:

"وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون، وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون، أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون"

...