![]() |
Insanity; by, Freakdearts
...
هناك .. في النقطة التي لا يمكنك أن تلحظ فيها كيانًا بشريًا قابعًا .. يقطن .!
تدل هيئته على تسعين ربيعًا -بالأحرى خريفًا- من البؤس، فيما يشي لباسه بسر بؤسه؛ الفقر المدقع .. نحيل، غزيرُ الشعر أشعثه، كث اللحية ، حتى لا تكاد تميز ملامحه من الشعر الملبد، لكنك بالتأكيد تستطيع تمييز قدر القذارة الذي يستوطن تلكم الملامح..!!
هاتان العينان .. إنهما كل شيء .. السر .. الحب .. الحرب .. الشهوة .. التقوى .. الخوف .. واللاخوف .. إنه الحد الذي لا حد بعده !
لا تستقران أبدًا في محجريهما، تتابعان كل حركة بشكل تلقائي عصبي، لا ينبس ببنت شفه، فقط يومأ برأسه للجهات الأربعة بلا هدف -أو هكذا أظن .. ألك ظن مختلف ؟
****
لا يتجاوز العشرين من العمر، يتحرك بخفة بين الطاولات المرصوصة في عناية، بينما يحاول الزبائن عبثًا تشويه تلك النظامية المفرطة .. جيئة وذهابًا .. جيئة وذهابًا .. جئية وذهابًا .. جيئة وذهابًا .. ربما تمل أنت من سماعها، ولكنه لا يمل من حركته .. أبدًا.!!
في الخلفية يترنم (عبد الوهاب):
"جفنه .. علّم الغزل"
****
شابة أنيقة -بمقاييس أولاد الحارة- تجر طفلًا مشاغبًا بيد، بينما الأخرى مشغولة بمهاتفة أحدهم، تتحرك منحنياتها في تناسق شهي، بينما لا يكف الطفل عن الصراخ، لا تتمالك أعصابها فتصرخ في الطفل، يبكي، تعاود الكلام .. وكأنها أبدًا لن تنتهي..!
****
شيخ بدين، بقالة عتيقة الطراز، رائحة الأعشاب والمواد الغذائية تختلط في مزيج عجيب، استرخى لمقعده الخشبي المسكين فأنّت أرجله، بعينين زائغتين يرقب المارة ويتلفت، يخرج حزمة من تحت المكتب ويشرع في معالجتها.!
في الخلفية يتسربل صوت (الشيخ/ عبد الباسط عبد الصمد) بسورة يوسف:
"قال أنتم شرٌ مكانًا والله أعلم بما تصفون"
****
في هذا الوقت من اليوم تمر عقارب الساعة بلا أي حركة تصحبها، فيما خلا الحركة الاعتيادية التي أعدها سكونًا لرتابتها.
ينكشف النقاب عن مجموعة من البذور العشبية لها تلك الرائحة المألوفة، تنطوي جارها مئات من الجنيهات.........
إنها ترتب موعدًا ما مع شخصٍ ما في مكانٍ ما بعيدًا عن الرقابة، ورقابة شخصٍ ما آخر تحديدًا........
الشاي يُخلط بنشارة الخشب، بينما البن يُخلط بقشر الفول السوداني المحروق .. النسب مهمة وإلا فسد كل شيء .. وهو أبدًا لا يخطيء .........
****
في حركة غير مألوفة .. بطئية لكنها ساحبة للأنفاس يتحرك الكهل الأشعث الأغبر مترنحًا إلى وسط الميدان حيث يراه الجميع بلا اكتراث .. تتعاقب الحركات الغير مفهومة الغير هادفة .. تتحول إلى رقصة ما؛ رقصة على الطراز الإفريقي تتخللها كلمات صوفية تنساب مع الحركة في تلقائية عجيبة..!
بعضهم .. أدار رأسه إلى الكهل، وآخر أدار رأسه عن الكهل!
يتوقف بشكل مفاجئ ثم يصرخ بصوت يملأ الميدان برغم ضعف قائله، وارتعاش أحباله الصوتية، فيتوقف الجميع منصتون باهتمام:
دا غضب .. والله غضب .. ربنا زعلان منكم .. أنتم بتعملوا إيه .. بتعملوا إيه !!!!!!!!!!!
يتوقف .. وما زال الجمع متوقف .. في لحظة ساكنة .. لا حركة .. لا همس .. يرفع أكف الضراعة إلى السماء ويدعو بشيء ما .. ثم يعود إلى الحالة الراقصة بشكل هستيري .......!
تيييييييييييييييييييييييييييييييت ..
سيارة تظهر من اللاشيء، تتحرك في شكل دوائر لإبداء براعة السائق وتحكمه .. كل شيء تحت السيطرة .. أنا أتحكم .. أنا أقود .. أنا .... أنا ... المزيد من الأنا والمزيد من السيطرة ..
.
.
.
طرااااااااااااااااااااخ ...
يتوقف الزمن .. تسقط القلوب إلى الأرض .. كل شيء يخرج عن السيطرة .. أصلًا لم تكن هناك سيطرة ..!، الصمت تتعالى وطأته حتى كاد يهشم الرؤوس، تعجز الصدور عن استيعاب الهواء .. ويهوي الكهل صريعًا ملطخًا بنقاء سريرته...
يقطع الصمت صوت (عبد الوهاب):
ومن العلم ما قتل ..!
بعض من دمع يُذرف، بعض من أنفاس تُلتقط ... ثم يأتي صوت (الشيخ/ عبد الباسط عبد الصمد) يتردد في الآفاق:
"وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون، وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون، أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون"
...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق