كصباحات القصص الرومانسية تنثر الشمس الصحوة أشعتها الذهبية على أزهار
"عباد الشمس" لتنفض عنها غبار الكسل و تعيد لها الحياة. على الجانب
الآخر من تلك الحديقة الغنّاء تقبع إحدى أروع النافورات اللائي شاهدتها طوال الخمسين
سنة الماضية -و هو ما يعني عمري كله.
أي مهندس بارع قد صمم حديقة كهذه .. حتى أنّا لا نملك نصفها في بلادنا !!!
آه .. آسف .. نسيت تعريفك بي .. فهذا المشهد الساحر دوماً ما يخلبُ لُبّي .. مرحباً .. اسمي ياسين
لا يهم أن تعرفَ عني أكثر من هذا .. فأنا لستُ بهذه
الأهمية التي تتصورها .. كما أن قصتي ليست بذاتِ الرومانسية التي بدأت بها.
سأضطر إلى الإضطجاع .. فكما ترى .. أنا مريض .. اعذرني.
تقول الحكمة "لنبدأ حيث ابتدأ الأمر برمته" ..
منذ عدة أعوام .. التقيت زوجتي .. إنها إنسانةُ جميلة .. راشدة تُجيد التمييز.. و لطريقة كلامها سحرٌ خاص.
كانت قد قررت تحضير رسالة الماجستير في أمراض الأطفال و كنت أنا -المدرس بقسم الأحياء الدقيقة بكلية العلوم- خيرَ معين لها فقد قَصَدَت مساعدتي في عدة أمور فيما يتعلق برسالتها باعتباري أخو أعز صديقاتها و في نفس الآن متخصصاً في البكتيريا التي تقوم عليها الدراسة.
أنت تعلم بالطبع بقية التفاصيل .. نَمَت بيننا علاقة صداقة
حميمة .. و كنا على أعتاب سن الزواج .. فقدّر الله لنا أن نتم الأمر عن رضا و
قناعة.
لا أخفيك سراً .. يوماً عن يومِ يتضحُ لي أني اتخذت قراراً صائباً -ربما هو الأصوب - حين قررت الارتباط بها.
هل أحسست يوماً أنك قد بلغت المنتهى ؟
لا أقصد انتهاء حياتك بالطبع .. بل أقصد الحد النهائي لكل متع الحياة ..
أعتقدني كدت أبلغه .. لولا ظهور هذا الأخرق في حياتنا !!
يُدعى .. حَسّان .. لا حَسّنه الله
لا تبتعد بخيالك المريض .. فهو أخوها .. عاد تواً من بلاد العُهر
شابٌ في العشرينيات .. لا عقل له .. فجأة .. هبطت عليه ثروة من السماء بعد أن أحبته عجوز أميريكية لفتوته. تزوجته ثم ماتت وكأنها أرادت منحه ممتلكاتها بلا شرط أو قيد.
يمكنُكَ تَخيُل ما يمكن لشاب في العشرين بعقل طفل و رصيد رجل أعمال أن يفعل .. كفر بكل ما تعلّمه .. ثم أنطلق يعثو في الأرض فساداً. حتى هذه اللحظة لا شأن لي به و لا شأن له بنا و هذا جيد بالنسبة لي.
بعد عامين أو يزيد .. يعود إلى أرض الوطن .. فقط ليُنغص عليّ حياتي !!
يراني متخلفاً رجعياً لا أصلح رفيق درب لأخته الطبيبة
الجميلة المثقفة .. لا أُنكر أنها تستحق رجلاً أفضل، و لكنها اختارتني !!
عموماً ليست هذه هي المشكلة .. المشكلة أنه يلعب بأسلوبٍ قذر .. يستغل مشاعر أمومتها في التخلص مني.
ألم أخبرك بعد أنّا لم ننجب ؟؟
آسف لهذا السهو .. فأنا لم أشرب قهوتي الصباحية بعد.
حتى لا أزعجك بتفاصيل هذا الصراع المقزز .. دعني أطلعك على النتيجة ..
هو .. قد عاد أدراجه .. و أنا .. قد حافظت على بيتي و زوجتي دونما انهيار.
فيما يبدو .. أنه يكرهني .. حسناً .. و أنا أكرهه.
و عليه فقد تكرر المشهد السابق عدة مرات في فترة قصيرة أنهكتني نفسياً و ذهنياً.
هل أخبرتك أن الموت -بل و مجرد الإتيان على سيرته- يجعل الناس أكثر حكمة مما ينبغي ؟
جيد .. فالآن أخبرتك .. لنعد إذن إلى حَسّان .. هو على شفا الموت -و صدقاً هذا يرضيني- فقد أصيب كَبِدُه بالعطب .. إنه-الكبد- يتوقف عن العمل و جسده الفَتيّ ينهار.
التليف الكبدي هو أحد أشهر أمراض الكبد في مصرنا الحبيبة .. و شخصياً أعرف كثيراً وافتهم المنية جراء الإصابة به و لا مانع عندي أن يلحق بهم هذا الفتى فهو لا يُمثل لي سوى مصدر إزعاج و تهديد مستمرين.
" يا الله .. زوجتي .. لم أر دموعها منذ أن مات والدها قبيل زواجنا. لكم تؤلمني دموعها !! "
إنها تعلم أنّ روحي و أخيها ليستا على هذا القدر من الوئام .. تراه يموت .. و تراني غير مبالٍ .. و هي تتألم في عجز. أعلم هذا الشعور جيداً .. العجز .. أنْ تشاهد أحدهم يموت أمام عينيك و كل ما تستطيعه هو البكاء.
شعور مؤلم حد الموت !!
أخبرتك أني أحبها .. أليس كذلك؟
حقاً أكره أن آراها في هذه الحال .. هي الآن كزهرة تخلى عنها أريجها و بهت لونها !!
- سـمعتُ أنهم بارعون في جراحات الكبد بالولايات المتحدة
- أحقاً تريد مساعدته ؟
- بل مساعدتك أنتِ ..
و بعد نقاشٍ فياض بالاضطراب الداخلي .. كتمتُ فيه ألمي لرؤيتها حزينة حتى أبدو غير مهتم .. قررنا -بل قررت- أن أساعده.
سافر ثلاثتنا إلى حيث الملتقى مع أحد جراحي الكبد العظماء -في الواقع هو صديق قديم- د/ جيمس آدامز .. المشرف على مشفاه الخاص بزراعات الأعضاء.
بعد استقبال حار .. أجرينا الفحوصات اللازمة .. و تم تأكيد التشخيص .. و بدأت الرحلة الأكثر مشقة على الإطلاق .. البحث عن متبرع، فزوجتي -كما قال الأطباء- لا تسمح لها حالتها الصحية بالمخاطرة بهذا الشكل.
زراعة الكبد صدقاً عملية لها ثِقلها على الصعيد الطبي .. و كما أن لها مضاعفاتها الخطيرة فقد تطورت كثيراً في العقود الماضية مع الطفرة الطبية في الجراحة.
أينعم .. بعد رحلة بحث مُضنية .. تشاء الأقدار أن تتطابق
أنسجتنا .. و أحسم قراري بالتبرع له ..
يبدو أنك نبيه !!
لكن ثق بي .. لم يكن الأمر بالسهولة التي بدا عليها حين قلته.
" أدرك جيداً أن مصاب هذا الفتى -بعيداً عن التفسير العلمي- عقاب من الله .. لكني أؤمن كذلك بأن الله يمنحنا فرصاً للتوبة على الدوام "
- صحيح أن كثيراً من الناس يغفلونها .. لكن الله اصطفاني
لأكون فرصة هذا الشاب .. و لربما يقتنص هو فرصته
- كلا .. الناس لا يتغيرون .. فقط هم يتصنعون التغير ..
لكن في أعماقهم يُبطنون صورهم القديمة جاهزة للطفو على السطح في الوقت المناسب.
- بل يتغيرون .. ألم تر نفسك قبل زواجك.. لقد غَيَّرتْ فيك
الكثير .. أصبحت رجلاً أفضل
- على الأقل ليس بهذا الشكل .. ليس بهذه السرعة .. لقد احتاجني
عدة أعوام لأتغير
- ألا تعرف قصة قارون .. ألم تعي أن الأحداث الجِسام تغير
البشر .. فبِخسفِ قارون أصبح الذين تمنوا
مكانه بالأمس لأنعم ربهم شاكرين
- حسناً .. ما زلت لم أقتنع .. لكني سأمنحه الفرصة على أية
حال .. فالأعمار بيد الله .. و لن يموت أحدنا إلا بإذنه
و هكذا بعد أن انتهيتُ من مناجاتي لنفسي .. حسمتُ قراري .. و تبرعتُ له بنصف كبدي.
ربما أنت شغوف بتفاصيل العملية.. و لكنّي لستُ طبيباً لأسردها لك.
على أية حال .. كلُ ما أذكره هو وجه طبيب التخدير البشوش و صوت صديقي د/ جميس يطلب إلىَّ قراءة فاتحة القرآن -لا تتعجب فهو مسلم.
أرقد هنا ما يزيد على الشهر .. يومياً أستيقظ على صوت ممرضة حانية تطلب إليَّ تعاطي الدواء قبيل الفجر.
أصلي الفجر .. و أجلس أتابع شروق الشمس .. فهو حقاً مشهدٌ بديع.
حسّان .. اها .. لقد تحسن .. فهو شاب و كما تعرف الشباب يطيبون بشكل أسرع من أمثالي .
على أية حال أنا أشعر بتحسن يوماً عن الآخر و يقول الأطباء أن مؤشراتي الحيوية عادت إلى معدلاتها الطبيعية و هي علامة جيدة كما أظن.
لا أدري إن كان هذا الشاب قد تغير حقاً .. أم أني كنت أهلوس .. فقد دخل عليّ في وقت قيلولتي و قبل أن يغادر المشفى .. طبع قبلة على جبيني ثم غادر .. و لم أسمع عنه شيئاً حتى اللحظة.
على العموم هذا لا يهم .. المهم أني قد استرحت من صداعه .. و الأهم أن زوجتي عادت تتألق من جديد كزهور عباد الشمس التي رأيتها معي هذا الصباح.
أصبت .. هي تلك الجميلة القادمة.
و الآن .. هلا تركتني فضلاً .. فلدي أمور أكثر أهمية أناقشها مع رفيقةدربي.
-تمت-

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق